يحيي بن حمزة العلوي اليمني

113

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وهذا يفيد أن يكون الخوف سببا في المعصية ، والحقيقة على خلاف ذلك : لأنا نقول : أما القانون المعتبر في « لو » والجاري على الاطراد فهو ما ذكرناه ، فإذا ورد ما يخالفه ، وجب تأويله على ما يوافق مجراه وله تأويلات ثلاثة ، التأويل الأول أن جريها على ما ذكرناه من الأوجه الأربعة هو المطرد لكن قد يعرض من ذلك بسبب القرائن ما يوجب كون النفي باقيا على حاله من إفادته للنفي ، وللقرائن تأثير عظيم في تغيير الألفاظ في العموم ، والخصوص ، والحقائق ، والمجازات ، وعلى هذا يكون المعنى في الخبر أن الله تعالى : خصه بطهارة في باطنه وقوة في عزيمته بحيث إنه لو انتفى الخوف عن قلبه فإنه لا يلابس معصية ، فكيف به وقد حصل في أرفع مكان من الخوف وأعلاه ، وعلى هذا يكون النفي على حاله من غير تقرير كونه ثابتا من أجل القرينة وهذا كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] فظاهر الآية دال على ثبوت النفاد لكلمات الله تعالى ؛ لأنه منفى في ضمن « لو » فلهذا لم يكن بد من بقائه على حاله لأجل القرينة كما ذكرناه في مسئلة صهيب ، والله أعلم . التأويل الثاني أن « لو » وضعها للتقدير ، والتقدير هو أن يعطى الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذي فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى ، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا ، فيجب تنزيل مسئلة « صهيب » على هذا ، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان ، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس ، وطهارة القلب ، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف ، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق ، ومثاله قوله تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال : 23 ] فعلى هذا يجب تنزيل معنى الآية على ما قررناه من قبل ، فيكون التقدير فيها لو فهّمهم الله تعالى : لما أجدى في حقهم التفهيم ، لما اختصوا به من التمرّد والعناد فكيف حالهم وقد سلبهم القوة الفاهمة ، فيكون مع هذا أبلغ في انتفاء الفهم وأدخل في عدم القبول والهداية لا محالة ،